سهامُ الوجودِ ما بين العجز أو النّهوض. قراءة فلسفيّة في قصيدة "العاجزون سهامٌ" للشّاعر القدير ناظم الفضلي بقلم النّاقدة نافلة مرزوق العامر
سهامُ الوجودِ ما بين العجز أو النّهوض.
قراءة فلسفيّة
في قصيدة
"العاجزون سهامٌ"
للشّاعر القدير
ناظم الفضلي
بقلمي
النّاقدة
نافلة مرزوق العامر
Stella Ra Nch
القصيدة
العاجزون سهامٌ
شيءٌ منَ العزِم يحي فكرنا حقبا
و نزرُ عجزٍ سيولي سعينا عطبا
لا تستوي أُمَّةٌ بالعجزِ مدقعةٌ
مع التي فكرها صم الرؤى ثقبا
نمضي و خلف خُطانا ألفُ منقبةٍ
رغم الذي سعيه إحباطنا احتطبا
خلف الطرائد أطراف مثابرةٌ
تعدو بأقصى طموح تدرك الطلبا
العزم فُلكٌ و بحر العيش مضطربٌ
و السعي أشرعةٌ و الساريات إبا
و تحت كرْمِ بهاءِ المجد قد جلست
عجزى النفوس و ما قد أدركت عنبا
يا سَورةَ العجز كم أفنيتِ من فُرَص
بِيَمِّكِ الضحلِ أمضيتِ المُنى سَربا
و العاجزون سهامٌ ظل يطلقهم
قوس المكاره إذ إبليسهم وثبا
يمشون درباً من الأشواك خاليةً
زعماً من الفتك أن قد أمعنوا الهربا
لكنّهم لشفير البؤس مسلكهم
يهوي بهم عجزهم فاستوجبوا العتبا
يا شائك الدرب ما هابتك مُقدِمَةٌ
منَ الرجال و لا هابوا بك السببا
تستفتح الفأل خيرا في عواقبهم
أصلابهم للهدى ولّادةَ النُّجبا
•••
“ The mind is its own place, and in itself can make a heaven of hell, a hell of heaven.”
الترجمة:
"إنّ العقل من موضعه ، يمكن أن يصنع من الجحيم جنّة، ومن الجنّة جحيمًا."ملتون.
المصدر: Paradise Lost
Milton— الكتاب الأول (Book I)"
أزليّة الصّراع (في نفس الإنسان )بين الخير والشّر
يتجلّى صراع الإنسان بين قوى ااخير والشّر فيه،في حالةٍ وجوديّة دائمة يقضيها بين الإغواء والاختيار، حيث يقف بين العجز والعزم في كل لحظة، بين هاوية الانقياد مقابل سموّ الوعي. هذا الصّراع لا ينفصل عن طبيعة الإنسان، بل يرافقها ما رافقت روحه جسده، في كل حالة وتجربة، ليجعل من لحظة الاختيار لحظة حاسمة في تحديد مصيره.
لو عدنا للأدب العالمي لوجدنا تناصّاً بارزا بين "قوس ميلتون" الغاوي وسِنان الشّاعر . فإذا كان ميلتون في ملحمته "الفردوس المفقود" (الكتاب السادس) قد جسّد القوّة الحاسمة في "القوس المنتصر" (Victorious Bow) الذي يطلق سهام الحقّ لتشتيت التّمرد والعجز عن محاربة الأغراء، فإنّ إبليس في قصيدتنا يحاول "تقمص" هذا الدور عبر السّهم أو "قوس المكاره"، ليطلق العاجزين سهاماً سامّة في صدر الوجود المنشود.
إنها مواجهةٌ وجودية بين القوس الذي يغوي بالعدم والتّلاشي، وسِنان الكلمة الذي يُحيي العزم والإيمان. فالعجز قوس الغواية، بينما العزم هو السّهم الذي يثقب صمم الرؤى ليعيد صياغة الكينونة بناءً وهداية. وبذلك، يظل "السّهم" مرآة لداخل حامله،بل مرادفاً لوعي وإرادة حامله: إمّا أداةً في قوس المكاره ترتدُّ وبالاً، أو مَضاءً في سِنان الحق يصيب قلب المجد.
“شيءٌ من العزم… ونزرُ عجزٍ” هكذا قال شاعرنا.قال ذلك
ليوضح أن الإنسان يتأرجح عالقا بين قوتين، وأن الغلبة تكون لما يختاره بوعيه أو إيمانه، فالعزم يقود إلى الفعل والمجد، بينما العجز يقود إلى الغواية والاستسلام لها .
يرى ملتون كما يتّضح من الإقتباس أعلاه،أن العقل هو النّور وهو مركز اتّخاذ القرار، وأن الإنسان قادر على تشكيل وبناء وجوده وواقعه الداخلي بإرادته كما يشاء. فالصراع لا يُفرض عليه من الخارج، بل ينبع من داخله، مما يجعله مسؤولًا عن اختياراته.وقال شاعرنا:
“العزم فلك… السعي أشرعة” يصوّر العزم كقوة دافعة، والسّعي كوسيلة للتّحرك، في إشارة إلى أن الإنسان هو من يقود نفسه نحو المصير الذي يختاره.
ويرى الشّاعر أن العجز ليس قدرًا مفروضا بل حالة يمكن تجاوزها، وأن الإنسان قادر على استعادة قدراته متى امتلك الإرادة والوعي. فها قوله:“يا سورة العجز” في ندائه نبرة استخفاف بالعجز واحتواء له ،احتواء النّفس وغلبتها في حالات الوسوسة.
في قوله تلميح وإشارة إلى أن العجز يبدّد الطّاقات ويُفقد الفرص، لكنه ليس نهاية الطريق، إذ يمكن تجاوزه بالعزم والسعي.
وبذلك يتّضح أن الإغواء ليس قوّة قاهرة، بل اختبار لإرادة الإنسان، أن القرار هو ما يمنح الفعل معناه، فإما أن يستسلم الإنسان لضعفه، إمّا أن ينهض بإرادته ليصنع وجوده بنفسه. على أيّة حالة وإن كانت قوّة الدفع للإنسان خارجيّة ، غواية شيطان كانت أم هداية من الله، فإن “الاستجابة” تظل شأنًا داخليًا بامتياز.
فإبليس لا يملك قهر السّهم على الانطلاق، بل يملك “إغواء الوتر”، والهُدى لا يسوق النّفوس قسرًا، بل يفتح لها أبواب النّور. بين قوس المكاره وسنان الحق، يظلّ الإنسان هو المحور نقطة الارتكاز،والميزان الدّقيق للأختيار،فإما أن يرتضي لنفسه دور السّهم السّليب الذي تتقاذفه رياح العجز، أو ينهض كفارسٍ يوجه أشرعته ودفّة سفينته سعيًا ومثابرة من قرار حر.
إنّ الوجود لا يدفعنا إلّا بمقدار ما نفتح له أبواب نفوسنا، فالمسؤولية تكمن في إجازة او قبول المهمّة، لا في التّعرض للدفع. نحن أسباب انطلاقٍ، إمّا أشرعة في يمّ المجد، أو سهامًا في أنفاق الظّلمة والشّر.
تعال لنبحر في عالميّة هذا الصّراع وتجلّياتها في القصيدة
#العنوان بوصفه عيّنة كاشفة للمعاني :
عنوانٌ مستفزٌّ للتفكير، فلسفةً فيه مفارقة (Paradox )، وأدبيّافيه تضاد (Oxymoron) ،وفي علم الدّلالة(semantics)
عنوان "العاجزون سهامٌ"، يظهر توتّرا دلاليّا بين العجز (سكون) والسّهام (حركة)، وهو تكثيف للمعاني يخلق انزياحًا يحوّل العاجز إلى أداةٍ موجَّهَة، وهو ما ينسجم مع شرحي القادم بأن العجز محقون بفعل خارجي وهو ليس غياب الفعل بل انحرافه عن مساره الطّبيعي.
عنوان فيه تقنيّة بلاغيّة تحفّز الذّهن على التّفكير ،وتأسر العقل وتغرقه في الفضول والرّغبة في الاستمرار بالقراءة واستكشاف المعاني . بنية العنوان والقصيدة كما سنرى قامت على التّضاد، فالتّضاد خير اسلوب بلاغي كاشف لقيمة الأشياء عن طريق تناقضها،فلولا الظّلمة ما عرفنا قيمة وجوهر النّور.
المفارقة او البرادوكس هو تعبير يبدو متناقضًا في ظاهره، لكنه يكشف عند التأمل عن معنى عميق وحقيقي للأمر. وفي عنوان القصيدة (العاجزون سهامٌ) تظهر المفارقة بوضوح، فالعاجز يُفترض فيه السّكون والضّعف، بينما السّهم هو رمز الحركة والقوّة والإصابة. هذا التّناقض الظّاهري يقود إلى فكرة أعمق: أن العاجز قد يتحوّل، رغم ضعفه، إلى أداة مؤذية تُستَخدم في أذى غيره،.
أما التّضاد البلاغي فهو "جمع كلمتين متضادّتين في تركيب واحد لإحداث صدمة دلاليّة". وفي العنوان نفسه نرى هذا التّضاد بين "العاجزون" و"سهام"، حيث يجتمع الضّعف مع القوة في صورة واحدة.
وهكذا فإن العنوان يحقق تضادًا لفظيًا مباشرًا يفتح بدوره باب المفارقة الفكريّة العميقة .أوليست الحياة ذاتها مفارقة وجوديّة عميقة؟
# تمهيد:
تتجلى في قصيدتنا النّظرة الدّينيّة الإسلاميّة البانية للنّفوس، حيث نرى أنفسنا نقف بين العزم والعجز، بين الفعل والخذلان، أمام عبء الاختيار والمسؤوليّة. ويتقاطع هذا مع ما يطرحه الفيلسوف الوجودي ( Martin Buber )مارتن بوبر من رؤيةٍ وجوديّة تؤكد أن الإنسان لا يكتمل إلا من خلال اختياره الحرّ وعلاقته الواعية بالعالم والآخر. إذ يرى أن الإرادة الحقيقية تتجلى في الفعل المسؤول، ويُعبّر عن ذلك بقوله:
"All real living is meeting."
أي إن الحياة الحقيقيّة تتحقّق عبر اللّقاء الواعي، وهو ما يعكس أن الإرادة عنده هي طاقة أو قوّة داخلية، بل انخراطٌ وتفاعل مع البيئة والوجود.هو تلك المواجهة بين الفرص والاختيارات،التي تكشف جوهر الإنسان وتكشف سريرته.
ومن هذا المنطلق، نفهم أن التغيير يبدأ من داخلنا، كما يقول الله تعالى:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد: 11)
وهذا ينسجم مع ما طرحته في شرح القصيدة الآتي لاحقا ، حيث يظهر العجز بوصفه حالة داخلية ،بل تخاذل وتعفّن يعطّل الفكر والسّعي، يقابله العزم كونه قوةً تُحيي الإنسان وتدفعه نحو الإنجاز.آية تنسجم مع البيت الأوّل من القصيدة.
لو تمعّنا في الآية الكرينة "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى" (النجم: 39)
نرى السعي هو جوهر وأساس القيمة، وهو ما يظهر في تمجيد القصيدة للعزم بوصفه طريق الفعل.في بيت"العاجزون سهام..."نرى العجز كأنّه مفروضعلى الإنسان،وللإنسان حريّة الإستجابة والاختيار.ونعي أن الشّيطان لا يملك سلطة قهرٍ على الإنسان، بل يقتصر دوره على الدعوة والوسوسة، كما في الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾. وبالمقابل، يصوّر الشاعر العاجزين بأنهم كـ"سهام" تُطلق، أي أدوات تنفّذ هذا الإغواء باختيارهم واستجابتهم، فيتحمّلون مسؤولية ضعفهم، لا لأنهم مجبرون، بل لأنهم استجابوا لدعوة الوسوسة وتركوا العزم والسعي.
حين نقرأ قوله تعالى:
"وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (البقرة: 213)
نرى في الهداية نورا يرشدنا ويقودنا حتما إلى استكشاف طاقاتنا وتشغيل إراداتنا في البناء والعمل، في مقابل العجز الشّيطاني المضلّل الذي يطفئ مسارات خطانا ويوردنا هاوية العجز والخنوع.
ما أجمل وأحسن نعم الله علينا،فها هو شاعرنا يرجعنا إلى ذكر قوله تعالى:
"إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا"(النساء: 76)
فالمعنى العميق والرسالة السّانية التي يبثّها شاعرنا يصرّحان بأنّنا في لجوئنا لله،للمقدّمة الرجال الذين ينشرون كلمته وبحققون آيته ويأتمرون بهدايته،يتبدّد دخان كيد الشّيطان،ويعلو الإنسان بإرادته وعزمه على قوّته فيقهره بسهام الإيمان.آيّة بذكرها تطمئنّ النّفوس وأبيات تنبق من نور هذه الآيات،حقّا "إنّ من البيان لسحرا" ومن الشّعر الباني الأخلاقي المعلّم لفوز للرّوح ونجاة .
تكامل وجودي راق بين فكر شاعرنا والرّؤية الإسلامية وفكر بوبر في تأكيد أن الإنسان كائنٌ حرّ الإختيار، وأنّ إرادته هي التي تصنع مساره، ليكون إمّا فاعلًا يسعى ويُنجز، أو واقعًا في دائرة العجز التي يحذّرنا منها الشّاعر.
**التّحليل.....
أغوايةٌ أم قيامةٌ؟
تعالوا نحلّل الأبيات لنرى تجلّيات الرّؤيتين الفلسفيّة والدّينيّة فيهما،لنستخلص في النّهاية رسالة شاعرنا القدير،الذّي رصف لنا فسيفساء قصيديّة لفظيّة اجتمعت فيها بلاغة في اللّفظ وبراعة في التّصوير وعمق في الفكر دون أدنى شكّ.
قصيدتنا هذه هي وصيّة اجتماعيّة أدبيّة تدعو الإنسان لتقويّة نزعة الخير في نفسه عن طريق إشغال الفكر والسّعي نحو بناء مجتمع معافى وصحيّ .نعم هي دعوة للسّعي نحو بناء الإنسان المثالي الرّاقي عن طريق العلم وإعمال العقل البشري ،ونبذ وسوسة الشيطان التي توردنا مكامن العجز والانحلال.
شيءٌ منَ العزم يحي فكرنا حقبًا
ونزرُ عجزٍ سيولي سعينا عطبًا
عزم وعجز ، كأنّه يقول بفعلٍ محذوف: استجمعوا قليلًا من العزم وأحيوا الفكر، فقليلٌ من العجز يعطبه. و"القليل" هنا نسبي،ففي العجز شرٌّ سلبي، وفي العزم قمّة الإيجاب. تمامًا كـنزرٍ من نورٍ يزيل كونًا من ظلمة. فنحن بين عجزٍ وعزم: حياةُ فكرٍ أو عطب.
لا تستوي أُمّةٌ بالعجزِ مدقعةٌ
مع التي فكرها صمَّ الرؤى ثقبًا
شاعرُنا في أفق الحكمة والإصلاح، فهو يقارن الأمم ببعضها،أو يقارن حالتين لأمّة،من أصابها العطز إزاء من ملكت رؤية ثاقبة. ويقول إن الأمة المفكّرة،التي رؤيتها نافذة تثقب صمم الرٍؤية والتفكير،هي المتفوّقة. نحن أمام شعرٍ يبيّن أن الفكر الفعّال المنتج هو عماد المجتمعات والحضارات.
نمضي وخلف خُطانا ألفُ منقبةٍ
رغم الذي سعيه إحباطنا احتطبًا
تتوضّح صورة الخطاب، فشاعرنا يتوجّه إلى مجتمعه داعيًا إلى أعمال العقل والعلم في الحياة فبهما نميز الخير من الشّر،والخبث من الطّيبة، ويقارنه بمجتمعاتٍ ناجحةٍ بالعلم. ويبيّن سببًا من أسباب التخلّف، وهو أنّنا نمضي وخلفنا من يقتفي آثارنا أو يوسوس لنا ويسعى لإحباطنا. إيقاع ينقل عمق المعنى، وصورة "التحطيب" كفعلٍ مُحبِط تبدو معنويًا متوائمة، ولفظيًا منسجمة وفكرة البيت،فلفظها ووزنها ثقيل، كثِقَل مساوئ الإحباط الذي يغوص بصاحبه غرقًا في يمّ التّقهقر.
خلف الطرائد أطرافٌ مثابرةٌ
تعدو بأقصى طموحٍ تدرك الطلبا
وينتقل التّصوير إلى إيقاعٍ أقوى، ووصفٍ لحالةٍ نشعر فيها بالتّسارع في سرعة الرّكض. فيقول: لولا طرائدُ وخلفها من يثابر بسرعةٍ قصوى وطموح، لما أدرك أحدٌ منّا مرامًا. وأنبّه إلى الحكمة في تكرار حرف الطاء،وهو من الحروف الجهورية الثقيلة.
العزم فُلكٌ وبحرُ العيش مضطربٌ
والسعي أشرعةٌ والسارياتُ إبا
يا لروعة التّصوير وزّج الوجود في صورة مائيّة بحريّة،فهنا تصعد مفاهيم القيم إلى قيمة السعي كشراعٍ في فلك أو سفينة العزم يبحران في بمر العيش،هذا تصويرٌ رائع ومبتكر. فالعيش كالبحر المضطرب، والإنسان بسلاحين أو أداتين لشقّه: العزم المقرون بالسّعي. وجاءت مفردة "إبا" أي بإباء وعزم دون تراجع ،موجزةً حاسمة، فيها قطع واختصار يوحيان بالتّوكيد، وكأنّها تؤكد أن هذا هو السّبيل الوحيد للخلاص من اضطراب الحياة.
وتحت كرمِ بهاءِ المجد قد جلست
عجزى النفوس وما قد أدركت عنبًا
بهاء المجد وعجز النّفوس هما خطّان متوازيان لن يلتقيا أبدا.نعم يصف شاعرنا النّفوس العاجزة التي تستسلم للكسل واليأس بأنها كمن يجلس تحت كرم بهاء المجد ذليلًا. فالمجد كرمٌ وثمرٌ يُقطف، ولا ينتجه إلا عزمٌ ومثابرة وفعلٌ من نفوسٍ قادرة.تصوير جميل آخر لمشوار الحياة،فهي كرم لا يثمر دون سعي .
يا سَورةَ العجز كم أفنيتِ من فُرَص
بِيَمِّكِ الضحلِ أمضيتِ المُنى سَربا
وصفٌ جزل، كزبدةٍ مستخلصةٍ من مخض الحكمة، يختصر فيه الحكمة القصيديّة، وهي موضوعه أيضًا: أن العجز مُضيّعٌ لفرص الحياة المثلى. فالعجز "سورة" أي مظهرٌ من مظاهر السّلب الوجودي. وفي يمّه الضّحل الخاوي من المعنى ،تضيع فرص النّجاة، ويعيش الإنسان في سراب، وما أدراك ما السراب.
والعاجزون سهامٌ ظل يطلقهم
قوس المكاره إذ إبليسهم وثبا
يبلغ بنا الشاعر الإجابة عن غموض العنوان؛ فيبيّن أن العاجزين
الذين تغلبهم الحياة،هم سهام إبليس الواثب على إرادتهم ونفوسهم، فيُطلقهم قوس مكارهه،أي شرّه العادم الملغي لمعاني الحياة. فهم أداةٌ لكل تقهقرٍ روحي، يثبّط العزائم ويجعل الحياة خرابًا.
يمشون دربًا من الأشواك خاليةً
زعمًا من الفتك أن قد أمعنوا الهربا
يوهمهم بأنّ الحياة للكسالى،وهي دروب خالية من الصّعوبات، والأشواك (رمزٌ لما فيها من وخزٍ موجع). فيزعمون أن الهروب من التحدّيات التي تفتك بهم،هو خير وسيلةٍ للنّجاة. إنهم نفوسٌ هاربةٌ من الحياة، لا تفقه قيمتها وعمقها ومعناها،تخشى مواجهتها،يعيشون واقعيةً زائفةً في أوهام الهلاك الروحي.هم مثال الضّعف والانسحاب من الوجود ما أشبههم بالعبثيّين الذين لا تخلق فيهم الحياة والحالات الإحساس بالالتزام تجاه واقعهم.
لكنّهم لشفير البؤس مسلكهم
يهوي بهم عجزهم فاستوجبوا العتبا
هم يسلكون نحو شفير البؤس، في هاويةٍ يرمي بهم العجز وشُحّ العزم وبهذا السّلوك يستحقّون العتب؛ والعتب هنا يمكن أن يُفهم أيضًا كـ"عتبة" نحو جحيم الحياة، إذا وسّعنا الدّلالة إلى جناسٍ معنويٍّ نقدي.
يا شائك الدرب ما هابتك مُقدِمَةٌ
من الرجال ولا هابوا بك السببا
فها هو الشّاعر يعاتبهم ويقول: كيف لم تعتبروا بمجد الغابرين؟ أما هزّتكم هيبةُ المُقدِمين والمقدّمين من الرجال؟ أما خلقوا فيكم أسباب نبذ العجز؟ سؤالٌ فيه إيقاظٌ واستنهاض، فالشعر أداةٌ لتوعية النفوس.فمن فاته درس التّاريخ وعبره،لن يقوى على اقتحام ساحة الكرامة والمجد.
تستفتح الفأل خيرًا في عواقبهم
أصلابهم للهدى ولّادةَ النجبا
خاتمةٌ رائعة متفائلة،تقابل سهام عجز إبليس بالأصلاب الطاهرة. فيطلب الشّاعر من العاجزين أن يستفتحوا بالفأل، وأن يقتدوا بأفعال الرّجال الخيّرين،ففي ذكرهم وذكر عواقب أفعالهم خيرٌ كثير. فالهدى من أصلابهم ولّادة النّجباء الحكماء، نعم الهداية في علم الأبرار هي خير معين على ردّ سهام إبليس في الروح العاجزة.فمن لإبليس سوى خلق الله المؤمنين!
ابن رشد...العقل...الإيمان
عند قراءة القصيدة من وجهة ابن رشد،فيلسوف العقل العربي، التي تربط بين العقل والسّعي، نقول بأنّه يرى أن الإنسان لا يكتمل إلا عندما يتحوّل الفهم إلى فعل، وأن قيمة السّعي تكمن في كونه امتدادًا للمعرفة الواعية.شيء يتناسب وقول شاعرنا " إن العزم فلكٌ وبحر العيش مضطربٌ، والسعي أشرعة"، وأكثر فابن رشد يقوا بأن العقل هو الذي يوجّه الفعل فهو شراعه وبوصلته حتّى، إذ لا يكفي أن نمتلك إرادة (عزم) دون أن نوجّهها بسعيٍ واعٍ (أشرعة). فكما أن الفلك لا يسير بلا أشرعة، كذلك الإنسان لا يحقق غايته بلا عقل وعمل نابع عن تفكير وفهم.
لو نظرنا قول الشاعر إن "شيئًا من العزم يحيي فكرنا"، يظهر لنا انسجام مع تصوّر ابن رشد بأن الفكر هو أساس الحركة، وأن السّعي الحقيقي يبدأ من العقل، فالعزم هو فعلٌ نابع عن سابق تفكير وإدراك، وهو ما يؤكد أن المعرفة تسبق السّعي وتوجّهه.
وفي المقابل، حين يقول الشاعر: "و نزرُ عجزٍ سيولي سعينا عطبًا"، رؤية ابن رشد في ذلك تأتي متطابقة تماما مع معنى ورسالة القصيد ،وهي التي ترفض تعطيل العقل، وإعجازه ممّا يؤدي إلى فساد الفعل. فالعجز عنده يشبه انقطاع الصّلة بين الفكر والعمل، وهو ما يجعل السّعي فاشل بلا طائل.
أما في تصوير العاجزين بأنهم "سهام"، فيمكن قراءته كتشويه لفكرة السّعي الواعي،فبدل أن يكون السعي قائمًا على عقلٍ مدركٍ وغايةٍ نبيلة، يتحول إلى فعلٍ موجَّهٍ نحو الهدم. وهذا يتناقض مع رؤية ابن رشد التي تجعل من السّعي طريقًا للارتقاء، لا أداة للهدم.عدا عن كونهم سهاما مصوّبين،أي هم مجرّد أداة وليسوا غاية،فالعاجزون هم أداة أبليس في الأرض، كيف لا وهم مناهضي القانون الطّبيعي الأوّل وهو حتميّة ديمومة الحياة بعد الخلق وكيف تدوم والعجز يشلّ أقدام إرادة الإنسان.!
لو نظرنا لقول شاعرنا "نمضي وخلف خطانا ألف منقبة"نلمس البعد العملي للسّعي، وهو ما ينسجم مع قول ابن رشد إن العمل هو تحقيق للمعرفة، وأن الفضيلة لا تكتمل إلا بالفعل. فالمناقب هنا هي الصفات و ألأفكار الإيجابيّة، بل هي نتائج سعيٍ واعٍ في تحقيقها.
وفي النهاية، فإن القصيدة،من منظور ابن رشد،تدعو إلى عقلنة السّعي: أي أن يكون الفعل نابعًا من فهم، موجّهًا بالمعرفة، ومفضيًا إلى بناء الإنسان والمجتمع، لا إلى تعطيلهما.
يمكن قراءة هذا البعد في القصيدة بوصفه رؤيةً إيمانيةً تقوم على ثنائية مصدر الشّر ومصدر الخير، حيث يُستحضر مصدر العجز بوصفه منسوبًا إلى الوسوسة والانحراف، في مقابل مصدر الهدى الذي يتصل بالطّهر والفطرة السّليمة. ويُفهم من ذلك أن العجز ليس حالةً محايدة، بل قد يكون أثرًا لانقطاع الإنسان عن نور الهداية، فيغدو أقرب إلى الاستجابة للشّر منه إلى مقاومته.
في المقابل، تُقدَّم المنقبة بوصفها ثمرةً للهداية الإلهيّة، إذ ترتبط بالقيم النّبيلة التي تنبع من نقاء الأصل وصلابة الإيمان. وفي هذا السّياق، يمكن فهم “الأصلاب” في القصيدة كرمزٍ للسّلالة النّجيبة القيميّة الطّاهرة، التي تحمل استعدادًا جينات الخير بالفطرة متهيّئة أبدا لاستقبال الهدى، فتُنتج رجالًا صالحين قادرين على الفعل والبناء.
وبهذا التصور، يظهر إبليس،رمزيًا مصدرا لكل انحرافٍ وسلبية، يدفع الإنسان نحو العجز، ويثبّط عزيمته، في حين أن الله أو اليقين بالله الذي يسكن نفوس الأخيار هو مصدر الهداية، التي تُحوّل الإنسان من كائنٍ متردد إلى فاعلٍ منتج، ومن حالة العجز إلى حالة السعي. وهنا تتجلى الفكرة بأن الشّر لا يخلق الخير، بل يشوّه المسار، بينما الهداية هي التي تمنح الفعل معناه واتجاهه.وتخلق الحياة بجمالها وخيرها.
لو رجعنا إلى تصوير ال "سّهام" في هذا السّياق، فيمكن فهمه بوصفه استعارة للإنسان الصّالح (أو النجيب)، الذي يُطلقه الله في ميادين الخير، فيصيب الحق ويحقّق الأثر. فهؤلاء “السّهام” ليسوا أدوات هدم، بل أدوات بناء، موجّهة بالهداية الإلهية نحو تحقيق المنقبة ونشر الخير.وبذلك نفكّ عقدة النفارقة في العنوان،فالسّهام تصبح صفة تصف حاملها،أو ماء تنعكس على سطحه صورة النّاظر فيه.السّهام مرادفة لحاملها.فشتّان ما بين عاجزين سهام إبليس ومهتدين مثابرين هم سهام الله أو تعاليم الله تعالى.
ومن هنا، تتبلور رؤية إيمانيّة واضحة:
العجز والانحراف قد يرتبطان بالوسوسة والانقطاع عن الهداية.
والمنقبة والرفعة تنبعان من النور الإلهي ونقاء الفطرة.
والإنسان بين هذين المصدرين، إما أن يُقاد إلى العجز، أو يُهدى إلى الفعل والسّمو.
وبذلك، تتحوّل القصيدة إلى رؤية قيميّة إيمانيّة، تضع الإنسان أمام مسؤوليته: أن يكون من أهل السعي والهداية، لا من أسرى إبليس مبتلين بالعجز ومحكومين لغموض الضّياع.
خاتمة
رأينا في القصيدة، كما شرحتُها، أن بناء الإنسان يقوم على ثنائيّة العزم والعجز، فالعجز هو ضعف في الإرادة وهو حالة تُعطّل السّعي وتُسمل عيون الفكر، بينما العزم هو القوّة التي تُحيي الإنسان وتدفعه إلى الفعل والإنتاج. ومن خلال الصّور التي وظّفها شاعرنا،من السّهم إلى البحر المضطرب، ومن الطريق الشّائك إلى السعي المتواصل،يتّضح أن الحياة ساحة اختبار، لا يثبت فيها إلا من امتلك إرادة الفعل.
وهذا المعنى يلتقي مع رؤية وجوديّة بوبريّة، إذ يرى مارتن بوبر أن الإنسان لا يكتمل إلا في لحظة اللّقاء والانفتاح، لا في الانغلاق والتّشيّيء. فكأنّ العزم ها هنا هو ذلك “اللّقاء” بين الوجود ومعناه وبين اليقين وتحقيقه ، اليقين الذي يُعيد للإنسان حضوره، بينما العجز هو القطيعة التي توقف هذا البناء.
كما تنسجم هذه الرؤية مع التّصوّر الإسلامي الذي يجعل السّعي أساس القيمة،فلا صلة دون صلاة،ولا جزاء دون عبادة، ويؤكد أن التغيير يبدأ من داخل الإنسان، وأن العبد مسؤول عن اختياره بين الهداية والوسوسة.
باختصار شديد، أن الإنسان واقع بين خيارين دائمين: أن يكون فاعلًا يبني ذاته بالعزم والسّعي، أو متقاعسًا يذبل في دوائر العجز.بتعبير ديني عليه أن يختار أيّ سهم يريد أن يكون ،سهم ابليس أم سهم الهدى.وفي هذا الاختيار تتحدّد قيمته، ينكشف جوهره ويُكتب مصيره.
التعليقات على الموضوع